القرطبي

237

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( وإذا جاءوكم قالوا آمنا ) الآية . هذه صفة المنافقين ، والمعنى أنهم لم ينتفعوا بشئ مما سمعوه ، بل دخلوا كافرين وخرجوا كافرين . " والله أعلم بما كانوا يكتمون " أي من نفاقهم . وقيل : المراد اليهود الذين قالوا : آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار إذا دخلتم المدينة ، واكفروا آخره إذا رجعتم إلى بيوتكم ، يدل عليه ما قبله من ذكرهم وما يأتي . قوله تعالى : ( وترى كثيرا منهم ) يعني من اليهود . " يسارعون في الاثم والعدوان " أي يسابقون في المعاصي والظلم " وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون " قوله تعالى : ( لولا ينهاهم الربانيون والأحبار ) ( لولا ) بمعنى أفلا . ( ينهاهم ) يزجرهم . ( الربانيون ) علماء النصارى . ( والأحبار ) علماء اليهود قاله الحسن . وقيل الكل في اليهود ، لأن هذه الآيات فيهم . ثم وبخ علماءهم في تركهم نهيهم فقال : ( لبئس ما كانوا يصنعون ) كما وبخ من يسارع في الاثم بقوله : " لبئس ما كانوا يعملون " ودلت الآية على أن تارك النهي عن المنكر كمرتكب المنكر ، فالآية توبيخ للعلماء في ترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر . وقد مضى القول في هذا المعنى في ( البقرة ) ( 1 ) و ( وآل عمران ) ( 2 ) . وروى سفيان ابن عيينة قال : حدثني سفيان بن سعيد عن مسعر قال بلغني أن ملكا أمر أن يخسف بقرية فقال : يا رب فيها فلان العابد فأوحى الله تعالى إليه : ( أن به فابدأ فإنه لم يتمعر ( 3 ) وجهه في ساعة قط ) . وفي صحيح الترمذي : ( إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أو شك أن يعمهم الله بعقاب من عنده ) . وسيأتي . والصنع بمعنى العمل إلا أنه يقتضي الجودة ، يقال : سيف صنيع إذا جود عمله . قوله تعالى : وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العدوة والبغضاء

--> ( 1 ) راجع ج 1 ص 365 وما بعدها . ( 2 ) راجع ج 4 ص 47 . ( 3 ) تمعر وجهه : تغير .